محمد سعيد رمضان البوطي

193

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين ، فلما كان مباحا له أن يقطع ويترك ، اختار الترك نظرا للمسلمين » « 45 » . وهذا الذي قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا اقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء . وروي عن الليث بن سعد وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جوازه « 46 » . ثالثا : اتّفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال ( وهو الفيء ) يعود النظر والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة ، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب ، مستدلين على ذلك بسياسته صلّى اللّه عليه وسلم في تقسيم فيء بني النضير ، فقد خص به - كما رأيت - المهاجرين وحدهم ، وقد نزل القرآن تصويبا لذلك ، في الآيتين اللتين ذكرناهما . ثم اختلفوا في الأراضي التي غنمها المسلمون بواسطة الحرب : فذهب مالك إلى أن الأرض لا تقسم مطلقا ، وإنما يكون خراجها وقفا لمصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضي القسمة فإن له ذلك ، ويذهب الحنفية قريبا من هذا المذهب . أما الشافعي فذهب إلى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم ، وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد أيضا . ودليل ما ذهب إليه الشافعي ، أن تصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأموال بني النضير ، على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين في الحرب ، إنما كان بسبب عدم وجود أي قتال تسبّب عنه الحصول على تلك الغنائم . وقد نصت الآية على ذلك في معرض تعليل حكمه صلّى اللّه عليه وسلم ، في فيء بني النضير ، وهي قوله تعالى : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [ الحشر 59 / 6 ] وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضي الفيء فمن الواضح أنه إذا ارتفع مناط الحكم ، ارتفع الحكم معه ، وعاد الحكم المنصوص عليه في حق الغنائم ، سواء في ذلك الأراضي وغيرها . ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة ، من أهمها عمل عمر رضي اللّه عنه حينما امتنع عن تقسيم سواد العراق ، وجعلها وقفا يجري خراجها ريعا للمسلمين وليس المجال هنا متسعا لأكثر من هذا العرض المجمل في الموضوع . إنما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا ، هو التعليل الذي ذكره اللّه تعالى في

--> ( 45 ) الأم : 7 / 324 وانظر في هذا الموضوع : ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية - للمؤلف 170 - 171 ( 46 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم : 12 / 50